سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
76
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
قال : « ثم رجعت لأهل جرم الأرض وبحثت في أهم ما فيه يختلفون فوجدته « الدين » فأخذت الأديان الثلاثة وبحثت فيها بحثا دقيقا مجردا عن كل تقليد ، منصرفا عن كل تقيد ، مطلقا للعقل سراحه . فوجدت بعد كل بحث وتنقيب وإمعان ، أن الأديان الثلاثة ، الموسوية والعيسوية والمحمدية ، على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية . وإذا نقص في الواحدة شيء من أوامر الخير المطلق ، استكملته الثانية . وإذا تقادم العهد على الخلق وتمادوا في الطغيان ، أو ساءت الكهان فهم الناموس ، أو أنقصوا من جوهره ، أتاهم رسول بأرفاد وتأييد ، فأكمل لهم ما أنقصوه ، وأتم بذاته ما أهملوه » . « وعلى هذا لاح لي بارق أمل كبير ، أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها وأن بهذا الاتحاد يكون البشر قد خطى نحو السلام خطوة كبيرة في هذه الحياة القصيرة . قال : « وأخذت أضغ لنظريتي هذه خططا وأخط أسطرا وأحبر رسائل للدعوة - كل ذلك وأنا لم أخالط أهل الأديان كلهم عن قرب وكثب - ولا تعمقت في أسباب اختلاف حتى أهل الدين الواحد وتفرقهم فرقا وشيعا وطوائف . « ولكن ما علمت أن دون اتحاد أهل الأديان ، تلك الهوات العميقة وأولئك المرازبة الذين جعلوا كل فرقة بمنزلة « حانوت » وكل طائفة كمنجم من مناجم الذهب والفضة ! ورأس مال تلك التجارات ، ما أحدثوه من الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية على حد قول الشاعر : قد يفتح المرء حانوتا لمتجره * وقد فتحت لك الحانوت في الدين ! صيَّرت دينك شاهينا تصيد به * وليس تفلح أصحاب الشواهين ! « علمت أن أي رجل يجسر على مقاومة التفرقة ونبذ الاختلاف وإنارة أفكار الخلق ، بلزوم الائتلاف ، رجوعا إلى أصول الدين الحقة - فذلك الرجل - هو هو يكون عندهم قاطع أرزاق المترجين في الدين ! وهو هو في عرفهم : الكافر ، الجاحد ، المارق ، المخردق ، المهرتتق ، المفرق إلخ » !